كن جرّاحًا لا تكن جارحًا

الشاعرتركي عامر

حرفيش، الجليل، 17 كانون الثاني (يناير) 2007


النقد الأدبي، مسكين. مأكول مذموم. إذا اقتصر على "الإيجابيات"، فهو محاباة ومجاملة وغير مهني. وإذا تطرق ولو إلى واحدة من "السلبيات"، فهو جائر ومتحامل، وغير مهني أيضا. الله يجيبك، يا طولة الروح!!

يلهث الناصص خلف الناقد، سطورا وراء سطور. ويكون أن يستجيب ناقد (معمي قلب) إلى الفحيح. ولا تطلع العتمة عا قد إيد الحرامي، فيعض الناصص على أصابع التفاح، متأففا متبرما. فلماذا، إذن، يستميت الكاتب ليرى شيئا مكتوبا في مكتوبته؟! شو هالـ "دسونانس" هذا؟! من وين جاي، يا غلمان
!؟
 

نحب أن يزورنا الناس في مناسباتنا، السارة وغير السارة، ونشكرهم من أقصى أقاصي الإيد والإيغو والسوبر إيغو. نحبهم يكيلون لنا المدائح ويقدمون لنا الذبائح. ونحبهم يطيرونا من الفرح، لفرط ما يغدقون على واعيتنا (المتناومة)، ولاواعيتنا (المتحالمة)، من إطراء لشخوصنا (النبيلة) ونصوصنا (الجميلة)، ومن إشادة بأقوالنا (الرشيدة) وأعمالنا (السديدة)

لا نحبهم ينتقدونا، لا نأمة خافتة ولا همسة خجولة، ولو كان نقدهم على أشف من منديل ورقي معطر. لا نحبهم "يلاحظون علينا بشيء"، لأننا على رفوف الكمال محطوطون. لا نحبهم يصوبون لنا كلمة أخطأنا في رسمها/ نحوها/ صرفها، أو عبارة لم نوفق في وضعها سمارا على بياض. ولا نحبهم يقترحون شيئا يجعل ما نقول، أو نفعل، أجمل وأكمل
..

بتعرف؟! بلا هَـ النقد، يا سيدي! شو رح يصير؟! بتنزل خشبة من السما؟! أنا بقول لك شو رح يصير: بينطلّك واحد بكرا خلق، ويصدر حكما لا رجعة فيه: ليس عندنا نقد! أو النقد مقصر في واجبه (الوطني) نحو النص! أو النقد غير مهني/ غير أكاديمي/ غير موضوعي/ غير مش عارف شو. وذلك من خلال محاضرة، تنتسب إلى آل مطاط، وكأنك طالب ابتدائية في حضرته الواعظية. ويأخذ على خاطره لو، بلا قطعان لحديثه، لمحت (لا صرحت) إلى ضيق ذات الذرع بمليوك مضمون هنا أو ممجوج أسلوب هناك
.

وإذا تجرأ ناقد، لا سمح الباري تعالى (وتغالى) عما نحن فيه فاكهون (وتافهون)، على التعبير عن عدم استحسان، فرحمة الله تزول عن رأسه، ورأس قلمه من قبل ومن بعد، وترى إلى (الناس) يتجيشون ضد هذا "المارق" بكل ما أوتوا من نزعة كانيبالية لا تعرف الرحمة. ليش؟! لأن المسكين تجرأ على المساس بأبقورتهم المقدسة. وبقرئذ، يكون إنزال الناقد (أو تنزيله) عن الشارع، أسهل من شرب سيجارة (عديمة القار والنيكوتين وبفلتر ماكرونايت أبيض من ثلج الهمالاي
(.

أما إذا تجرأ الناقد نفسه، في غير مرة، على التعبير عن استحسان، يتجيش الناس أيضا، لينزلوا الناقد (من جديد) عن الشارع، زقاقا كان أو شانزلزيه. وهذه المرة، بذريعة أن النقد ليس مهنيا أو ليس موضوعيا، أو أن الميت لا يحرز هكذا عزاء. لا برحمك، ولا بخلي حدا يرحمك، ولا بخلي رحمة الله تنزل عليك
.

تحيرنا، يا قرعة، من وين نبوسك! لو بسناك من فوق، فقد نتهم بمطاردة جنسية، نقضي، جراءها، ردحا من صمت في ما وراء القضبان. ولو بسناك من تحت، بعيدا عن القارئين والمتصفحين (يحرق صفحة العاطلين عن الحلم)، فقد لا نسلم من روائح لا أحد يحب رائحتها. والعمل؟! أحسن إشي ما حدا يكتب عن حدا. حشر لا حدا يورث
.

ثمة انطباع خاطئ أن النقد: تقص لسلبيات النص، وكشف حسبها ونسبها، ونشر عرضها (وطولها)، على الملأ الأعلى (والأوطى) وبالألوان الطبيعية. وكأني بنا، في متابعتنا لهذه الأنقودة أو تلك، نحب أن نرى إلى دم يسيل من جسد النص وصاحب النص، وإلا فما نقرأ: خربشة نباتية لا تشفي غليلا (أو عليلا). والسؤال: أهي أنزوعة دموية مطبوعة فينا منذ قابيل وهابيل وإسحق وإسماعيل، عليهم السلام
(والمساواة)؟!.

النقد، برأيي، تقديم/ مراجعة/ تقييم/ محاسبة للعمل الأدبي، بصرف النظر عن قيمته الإبداعية: هيبة فكرية وهيئة فنية. وليس النقد، بأية حال وفي أي مقام، صلاة الميت على روح النص: "إذا كان محسنا فزد من حسناته، وإذا كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته". يا أخي، لا تتجاوز عن سيئاته، ولكن لا تتخابث وتضرب كشحا عن حسناته
!.

لا يقتصر النقد على الأدب، دون غيره من فنون تعبيرية (إبداعا وإبداءً). ننتقد الملبس والمسكن والمأكل والمشرب. ألم تقل، مرة، لأخ أو صديق، وأنتما تأكلان معا: حاجي تتلقمس عرق ذاني؟! هل هذا نقد موسيقي لطريقتنا في تناول الطعام؟
!

كان المرحوم الوالد يقول ممازحا: "تركي أحسن واحد فيكم!". وتثور ثائرة أحدهم، ولم نكن روسية (ولا أمريكان): "ليش؟!". فيرد الوالد: "لقمته صغيرة". وأخبئ وجهي من احمرار الإطراء. وما زالت لقمتي صغيرة. غير أني، كمعظمنا هرولة، سريع في تناول الطعام. لا، لأني على نهم من أمر أو فراغ في عين. بل، أمل من عمل أمكث فيه طويلا. أحب الفراغ بسرعة لحساب جديد يشدني، ولا سيما إذا كان على قدر من الدهشة
.

كان شعري طويلا، ويبدو أنه لم يتوافق ووجهي. فقال لي شقيقي الأكبر محمد: "شعرك يصير أحلى لو زرت الحلاق"! انتقدني، بطريقة غير جارحة. كان هذا نقدا إستاطيقيا (جماليا). كان بإمكانه: "شعرك بهذه الطريقة غير جميل". لكنه لم يفعل. لم يكن ناقدا ولا كاتبا. كان، رحمه الله، قارئا مثقفا، وإنسانا محبا من قبل ومن بعد
.

كان يشتري أحدنا ملبوسة، يظنها المرحوم الوالد باهظة الثمن (قياسا لما كان يبيع في دكانه الفولكلوري). فكان يقول: "كنت بجبلك اياها بتراب المصاري". كان هذا نقدا اقتصاديا، ولم يكن أبي خبيرا في الاقتصاد ولا في الأزياء. ولم يكن بخيلا أيضا. لكنه، ما كان يحب المبذرين. وكان جزارا. والآن، فقط، عثرت على أربوطة جينية (ربما) بين شغف الحذف في الكتابة وشغف السكين في تنقية اللحمة مما علق بها من مطط هنا وشمرميقة هناك. ولكن، لا ضير بشوية شحمة مع الهبرة، لا سيما إذا كنت على باب باربكيو كريم
.

كانت تفلت مني شغلة تستدعي بعض إعجاب، فيقول أحدهم (في أهون السيناريوهات): "روح شفلك شي شغلة تنفعك!". أما الشغلة التي "تنفعني"، في عرفه، أن أكون موظفا "محترما" في دائرة حكومية براتب "عليه القيمة" وما إلى ذلك من توابع (وزوابع). كان هذا نقدا استراتيجيا. لكنه كان جارحا ومثبطا ومحبطا. لم يعبر عن "إعجابه". عبر عن خوفه عليّ، مدفوعا بالحب. أراد أن يطمئن على مستقبلي. لكن، خانه التعبير
.

وهكذا، أيها الناقد، يجب ألا يخوننا التعبير. قل ما شئت في نص يتجرأ على الوقوع تحت نظارتك/سيجارتك/ لحيتك/ سكسوكتك. (أتذكر الآن فيديوكليب لمادونا شغل زياد الرحباني). أيها الناقد، رجاء ثم رجاء، لا تكن جارحا. كن جراحا ماهرا ولا تكن جارحا. ولا تكن مسيئا. إن الله لا يحب المسيئين إلى عباده الطيبين (والميتين
.(