حوار مع الشاعر عمر الشادي
 
رئيس تحرير جريدة الحياة العربية
 

أكثر من بؤرة حديث تستهويني معكم أخي عمر وتستجلب لي سعادة مثلما تستدبر شوقا جديدا لمعاودة الحوار من جديد واستكناه ما لم نسأل عنه وما لم تجب عنه الساعة ، بيد أن مساحة الوقت كما مساحة التواصل أصبحت تحت ضغط شديد من واقع التسارع المبرمج أحيانا من حولنا ، والشارد عن كلِّ ضبط في أحايين كثيرة قد لا تسمح بكثير ولكن لنا غبطة المحاولة ولكم ما تمنحون فرحة اللقاء من دفء التواصل وصدق المشاعر .

أجرى الحوار الشاعر أيمن اللبدي

jaridahayat@yahoo.com

 

مـوتي  ويطربها  النزيف بلا رداءْ
وحرض الجرح العميق على  الخباءْ
أم  قادها للنصـر  مطلوب  الشفاءْ
فجرحـنا  يمشي  سفورا  في  إباء
ْ

(في الجرح غانية  تراقص  شهـ(وةً 
(من حرّم المشيَ سفورا في الحرو(ب 
هل   عاش   آلام   الجراح   مجاهدا  
(إن  قال  إن  الجلد  جلباب  اللحو(مِ 


س1: أين يضع الشاعر عمر الشادي المفردات التالية من شعره وخارطة همه :الغربة – الأمل – الآخر – الوطن
 

لو كان الوطن كما يقولون، تمازج النفس البشرية بين الدين والتاريخ والجغرافيا، للَزِمنا أن نسأل متى عاش العربي في وطن!؟ وما الذي يتغير عنده لو تغرب عن وطنيته الوفية لمؤامرات التفرقة والتجزئة والتقسيم!؟ ولربما اختصر الأملُ وحده معانيَ الوطنية في المخيلة العربية، ومجنون من ينكر العدائية الطبيعية في الآخر المطلق، لذلك أقول دائما:

هويتي مزقتها ... بين الأماني والمنى

أنا شاعر لكنني .. لا لست أعرفُ من أنا

 

  س2: الشاعر والأديب أمام الصحافة ذو اعتبارات ومحددات وصاحب رسالة مثلما هو صاحب صنعة فيها ، متى يحدث الفراق
وكيف يمكن المجانسة أو على الأقل السيطرة ؟
 

الصحافة الأصيلة تجمع بين الفكر والأدب، ولأنها فنّ العموم، فإنها تحمل ما يحمله المجتمع من قيم ومبادئ، هي ذاتها
التي يحملها الشاعر أو الأديب، إنما في إطار من الوسطية في مقام الحوار والاتصال، وعليه فإن المجانسة بين
 الشخصيتين، الأدبية والصحافية، أمر متحصل يؤكده جوهر المهنة، إلا أن القيمة المادية للحبر والورق تفرض
واقعا من التحدي على إحدى الشخصيتين لا تفرضه على الأخرى، من هنا نجد أن إفرازات السلب في الصحافة
أكبر منها في الشعر والأدب.
 

س3: الشعر العربي مظلوم مثلما المواطن العربي ، ترى فيم تكون أقسى أنواع الظلم هذه التي يراها عمر في حق
   الشعر العربي ؟ وهل للجغرافيا أثر ما خاصة وأنكم تعيشون في جغرافيا مختلفة !؟
 

الشعر أبرز فنون اللغة العربية، وما يتهدد الشعر كفنّ، أهون بكثير مما يتهدد اللغة بحد ذاتها، لا سيما من خلال الانفتاح المطلق في تطبيق الاستخدامات اللغوية الغربية، ونحن نرى أن من واجبنا الوقوف في وجه هذا التبادل الشاذ وإحكامه إلى حدود "الجائز" و"الصحيح" من أحكام اللغة العربية واستخداماتها البلاغية، وانظر معي إلى عصر الفتوحات الإسلامية عند أول احتكاك ثقافي للعرب مع الفرس والروم وغيرهم، ففي ذلك الوقت تيسر للعرب رجال وقفوا على توثيق ما من شأنه ضمان الحماية البنيوية للأدب والشعر بينما الانفتاح المطلق هذه الأيام يؤثر على هذه البنيوية في أصل اللغة وصولا إلى معاني الحروف، فالخطر فعلا كبير، وكبير جدا، وعلى سبيل المثال يدرك الجميع أن "المجاز" في اللغة العربية باب واسع لاستخدام التشبيه، بوسائل وبغير وسائل، ولكنك قد لا تجد من يعرف أن كل هذه الاستخدامات محكومة بالأصل اللغوي للكلمة، ورحم الله من لا زال يذكر باب علم في فقه اللغة، ليميّز بين "بكت" العين وبين "دمعت".
 

س4: منذ نصف قرن أو يزيد تعددت نصوص كثيرة تحت اسم قصيدة النثر ووردت بحكم الترجمة أيضا عدد
   من النصوص من هنا وهناك ، هل أثرت أي من هاتين القصيدتين أي المترجمة والعربية أصلا كقصيدة نثر على   
الأخرى ؟ وكيف ؟ ثم هل ترون قصيدة النثر قد وصلت إلى طريق مسدود ؟
 

 أبدأُ من حيث انتهيتَ، وقبل أن أشرع بالإجابة عن هذا السؤال بل وقبل أن نشرع بتقييم قصيدة النثر، ربما علينا أن نتفق حول الخلفية الثقافية واللغوية التي تولدت فيها ومن خلالها قصيدة النثر، أما أنا فلا أرى حسناتٍ لتلك الأم، ومستقبلا أسودا لهذه البنت، وكلامي لا يعني بتاتا أن قصيدة النثر قد وصلت إلى طريق مسدود، اللهم إلا إذا ساهمنا كلنا وتركنا في أنفسنا قبل الآخرين، الانجرار إلى الرمزية المطبقة على كل مفاتيح المعرفة والموسيقى.

وبالعودة إلى سؤالك عن تأثير المترجمة والعربية كل واحدة على الأخرى كقصيدة نثر، وبعد الاطلاع على مجلة "كلمات" التي تعنى بالترجمة الأدبية والثقافية تصدر في سيدني برئاسة تحرير الدكتور "رغيد نحاس" فقد كونتُ فكرة تكفي لأؤكد ان التأثير "أولا" منحصر في جهة واحدة من المترجمة على عموم النثرية العربية، "ثانيا" إلا أن هذا التأثير لا يطال، ولا بأي شكل من الأشكال، نخبة القصائد النثرية العربية، "ثالثا" برغم تضخمها عشرات المرات فإن مفردات اللغتين، الإنكليزية والفرنسية تبقى قليلة جدا بالمقارنة مع المفردات العربية، التي من شأنها أن تغنـي أي مترجَمةٍ إليها بينما لا يتوفر ذلك في العملية المضادة.

 

س5: هناك أزمة تشير كلُّ الأصابع لها وإن كل أصبعٍ أشارت بحسب طول قامتها وفهمها إلى وجود أزمة نقد حقيقية للأدب العربي الحديث وخاصة الشعر ؟ ما رأيكم بذلك ؟
  وكيف لنا أن نبني قواعد لما لا قاعدة له في الاستخدام اللغوي معنويا وبنيويا! أظنها محاولات لاحظ لها من النجاح إلا
   فيما لو شهدت قصيدة النثر "ثورة تصحيحية" أعادت اتصال المعنى بالمبنى، ومن ثم  فلكل عنان أفق

وهذا الكلام لا يطال كل نتاجات الحداثة وإنما أغلب ما يصدر عنها اليوم"..
س6: عند المنعطفات الحقيقية والخطرة في حياة أي أمة يكون للشعر وللمثقف دور رئيس هو فرض عين ٍ كما يقول  البعض ، ترى هل حدث هذا في هذه الأيام التي نحن في مركز واحد من تلك المنعطفات ؟ وكيف تقيمون ذلك ؟

   ولكن للأسف يبدو أن الحروب التي يشنها العدو علينا هذه المرة أكبر من القلم بل وأكبر من القيم الإنسانية مجتمعة، و"كلمةٌ" ما، لن تجدي نفعا في إنقاذ أطفالنا من الموت المحتم في محارقهم، وكما ترى وصل إرهابهم إلى الفكر ومناهج التعليم في "الكانتونات"، علما أن الكثير من مناهج التعليم تلك وضعية هي الأخرى بمجملها.

ومناهجُ التعليم عمدا – م- أُغْفِلَتْ فيها الجذورُ
 

 س7: الإقصاء والدور الإقصائي متهم فيه بعض من الأدباء والشعراء والكتاب والمثقفين العرب وعلى اختلاف
    التنوع في الإبداعات ليشاكل أمر ما هو قائم في السياسة والمجتمع والمهن حتى ، فهل هي خاصة بالعرب وحدهم ؟   أم أن للمسألة وجوه أخرى خاصة وأن لكم خبرة الحياة مع الآخر هنا ؟
إن الدواع الخلُقية في هذا الباب كثيرة جدا ولكن لا أثر لها نذكره بالمقارنة مع الدواعي السياسية التي أتت على الأخضر واليابس، فما هو قائم في السياسة منعكس على سائر نواح الحياة في مجتمعات لم تخرج من فكر الاستعمار بعد خمسين عاما من خروج عساكره. إلا أننا نبقى، نحن العرب أقل الشعوب استعمارا برأيي، وليس كما قد يشاع عبر امتهان الكرامة العربية بعد اختصارها في أنظمة واجهزة هم منشئوها.

س8: يتهم بعضٌ من الذين وصلوا مراحل متقدمة في إبداعهم الماشين في إثرهم بمحاولة الوصول السريع ولو
    كان على حساب إتهام هؤلاء الرواد تحت شعارات الحرية الأدبية وعدم وجود حصانة لأحد ، ما رأيكم في ذلك ؟ وهل هي بدعة عربية أم مشتركة عند الآخر أيضا ؟

لقد ابتدع الغرب الدعاية الإعلامية المحترفة والمركزة، التي وجدت بين الفارغين من المخزون الفكري من يتسلق عبرها فاستطاعوا الوصول بغير أهلية ثم استعجلوا السقوط بعد أن انقطعت الأنفاس في اللهاث لضرب التراث الأدبي
 لأولئك الرواد بعرض الحائط بلا جدوى.

الدعاية الإعلامية المركزة تجاوزت الحقيقة إلى الكذب الصريح، وهي ابتداع المفاهيم الغربية ولم تدخل حتى اللحظة في وجدان الأديب العربي والحمد لله، وإن ادعى البعض أن تراثنا الأدبي يحمل بعض هذه الذكريات، فأين الحجة طالما أنها لم تلقَ الصدى! حاضرا وتاريخا، فمن الذي امتهنها وظيفة ونجح!النقد الأدبي وليد الأدب، وبينه وبين الدعاية الإعلامية عبر التطاول الأدبي فارق وأيُّ فارق!

س9: التواصل الأثيري والشبكة العنكبوتية كيف تراها محققة لأهداف سامية في نشر المعرفة وخاصة فيما يتعلق الشعر العربي والثقافة العربية ؟

آخر وأقل المستفيدين من الشبكة هو الشعر وهم الشعراء، فيندر أن تجد موقعا واحدا للشعر الفصيح التقليدي أو الحديث، كما أنها لم تلغِ مقص الرقيب كما يتوهم الكثيرون، فالمقص دائما حاضرٌ حيث التأثير وحيث الفعالية، علما أن الشبكة المعلوماتية أتاحت الفرصة لاختزال الزمن والوقت في التواصل مع الآخرين، ولقد يسأل البعض إلى أي درجة يصلح أن ننشر كل شيء؟... من صالح وطالح!

س10: هل ترى المنتديات الأدبية وخاصة العنكبوتية محققة لحراك ثقافي ما ومقدمة لإبراز مواهب ربما لم يتسع  لها موضعا
غير هذه الوسيلة لسبب أو لآخر ؟ وما نصيحتكم للقائمين على هذه النشاطات ؟
 

المنتديات الأدبية وجبة سريعة متاحة للجميع، ولكن كانت لي تجربة شخصية، وعرفت فيها فائدة الاحتكاك بمن هم أقوى وأكثر فصاحة وأبلغ، هذا الاحتكاك الذي لم تعد الجغرافيا اليوم تسمح به يرفع من المستوى بين الأنداد، إلا أن انكفاء الكثير من الأدباء عن الدخول فيها راجع إلى كثرة الزبد والله أعلم؟ وأنصح القائمين على هذه النشاطات بالمحافظة على النوعية دون الكمية ثم بالعمل على قاعدة: "قليل دائمٌ خير من كثير منقطع "
 

س11: حدثنا عن جريدة الحياة العربية في استراليا، كيف تأسست ولماذا وما هي اهميتها؟

منذ وصلت إلى مدينة سيدني بأستراليا مطلع العام الماضي لاحظت خلو البلد من مؤسسة إعلامية عربية لا تشوبها شبهات العمالة والتبعية السياسية، رغم إقامة ما يربو على مليون ناطق بالعربية في أستراليا، كما لاحظنا وجود هوَّة وسيعة بين هذه المؤسسات وبين القارئ الأصيل الذي انقطع عن الاتصال بها لما احتوته من مفارقات تفصل بينه وبين وجدان القومية العربية الذي ترسخ في مكتسبه الثقافي والسياسي والاجتماعي.

الأمر المهم هنا أن الإعلام لم يلتزم القضية العربية كقضية مركزية بل وانحصرت الوسائل الإعلامية العربية ببعض الأحزاب اليمينية المتطرفة وإن بطريق غير مباشر، بينما علمنا أن الكثير من المحاولات المستقلة السابقة لتأسيس جريدة عربية نموذجية باءت بالفشل لسبب أو لآخر..

من هنا كان أن صدرت الفكرة عنا والتف حولنا بعض الشباب العربي المتحمس للدخول في هذا المعترك، نذكر منهم الأستاذ بشير صوالحة نائب رئيس التحرير والأستاذ جمال داود مدير دائرة التحقيقات المحلية في أستراليا والأستاذ سايد النكت مدير مكتب ملبورن وآخرون، كما أننا لم نهمل الاستعانة ببعض العناصر المخضرمة في المجال الإعلامي فكان أن اتصلنا بالأستاذ وحيد عبدالسيد رئيس تحرير جريدة الأيام الأسترالية السابق ليعمل مستشارا للتحرير معنا. إضافة إلى السيدة نجمة حبيب التي تسلمت لاحقا إدارة مكتب سيدني.
 

هكذا كانت الانطلاقة، وسرعان ما أحدثت الحياة العربية ضجة في المجال الإعلامي في أستراليا بمنهجيتها المستقلة في التحليل ونقل الخبر والتحقيقات المحلية

والخارجية عبر شبكة باتت تضم نحو ستمائة شخصية عربية في شتى البلدان والدول.

تصدر الجريدة بشكل أسبوعي حتى هذا التاريخ وتباع في 2000 مكتبة في مختلف الولايات الأسترالية وقد أصدرنا العدد السنوي نهاية العام الماضي والذي نال تقييما طيبا لدى الأوساط المتابعة وتقوم الإدارة حاليا بدراسة زيادة الإصدار الأسبوعي إلى ثلاثة مرات، ونحن ننتظر شهر تموز للبت في هذا الأمر مع بداية عمل الإدارة الجديدة والموسعة للحياة العربية.

طبعا، جريدة الحياة العربية كسائر المؤسسات الإعلامية العربية في المهاجر تعاني من تحديات جسيمة أولها وأهمها مواجهة السيطرة الصهيونية على مختلف قطاعات هذا الفن، لا سيما في أستراليا وأميركا، وعادة ما يرتبط نجاح المؤسسات الإعلامية بنجاح التمويل لذلك نرى ازدهار الصحافة في مدن الاتصال التجاري، كذلك نعاني تحديات جسام على الصعيد اللغوي حيث بدأ الكثير من أبناء العرب من الجيل الثالث يفقدون اللغة العربية، وهذه المشكلة برأينا أكبر من أن تكون مشكلة صحافة أو إعلام بل إن مدى الأذى المترتب عليه يطال المصالح الوطنية والقومية لسائر الجاليات، لذلك ترون أن جريدتنا تتضمن بعض الصفحات باللغة الإنكليزية مفتصرة على التحليل دون نقل الخبر، على أن بدء انتشار المدارس العربية هنا ربما تخفف من هذه الأزمة ولكن لا نستطيع الحكم على هذا الأمر حيث إن معظم هذه المدارس حديثة الإنشاء وتحتاج سنوات لتخريج القراء الذين بإمكانهم تناول التبادل الثقافي باللغة العربية.
س12: كونك تعيش بالمهجر ما هي رسالتك لشباب وطنك وإلى من معك؟
أدعو الجميع إلى الالتفاف حول المبادئ التي نشأوا عليها في أوطانهم الأم، فلا تكن غربتكم على حساب هويتكم، فخسارتكم كبيرة جدا ومصير ما بنيتموه الزوال، ولا يدوم إلا الخير المنشود منكم.