|
بعد ما استقالت الحكومة
فإن المسألة الملحة التي يجب أن تحظى باهتمام الجميع هي عدم
الوقوع في الفراغ الدستوري، خصوصاً وأن الاستقالة حصلت قبل
ثلاثة أشهر من نهاية ولاية مجلس النواب، وقبل شهر واحد من
نهاية المهلة لإقرار قانون جديد للانتخابات. ومما لا شك فيه
أن ثمة مسائل عدة يجب التوقف عندها والتعامل معها بشكل واع
وبما تستحقه من اهتمام:
1 – إن التحركات التي قام
بها الشباب اللبناني خلال الفترة الماضية تشكل ظاهرةً هامة
إذ أن الشعب اللبناني بأثره، وجيل الشباب بشكل خاص كان يتعرض
على الدوام لعملية تهميش وإلغاء منظمة. إن حضوره اليوم إلى
الميدان لم يكن فقط بسبب الحدث الجلل الذي وقع في 14 شباط
الماضي وهو اغتيال دولة رئيس الحكومة السابق المغفور له رفيق
الحريري، ولكن هذا الحدث شكل الشرارة التي أطلقت المارد من
القمقم، وكانت التحركات الشبابية تعبيراً عن احتقان مزمن
أطلق الانتفاضة الشعبية ضد التهميش والإلغاء، وضد مصادرة
الحياة السياسية في البلاد من قبل الطبقة السياسية وأجهزة
الدولة. لذلك فإن هذه الانتفاضة يجب أن لا توظف لخدمة مصالح
الطبقة السياسية ووفق حساباتها، بل من أجل إحداث تغيير
ديمقراطي للطبقة السياسية وللنظام المتخلف القائم على
الطائفية.
2 – ومما لا شك فيه هو أن
المعارضة تمكنت من إسقاط الحكومة. وهذا يفرض على المعارضة
مهمة ملئ الفراغ في السلطة وتحمل مسؤولية الحكم. هذا ما
تفرضه الأصول والقواعد التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية،
غير أن إحجام المعارضة عن تحمل هذه المسؤولية يحملها تبعة ما
قد يحصل من فراغ في المؤسسات الدستورية الأخرى وأهمها مجلس
النواب. وبالتالي فإنها تتحمل عندئذ مسؤولية انهيار الدولة
وانعكاسه على الاقتصاد والعملة الوطنية والفوضى التي يمكن أن
تنجم عن هذا الأمر.
3 – ولكن بسبب الظروف
الاستثنائية، وإذا كانت المعارضة غير قادرة أو غير راغبة في
تشكيل حكومة بديلة، فإنها والموالاة يجب أن تعملا على تسهيل
قيام حكومة من خارج طرفي الصراع تنحصر مهماتها في مسألتين:
الأولى وضع قانون للانتخابات النيابية، مع إعطاءها صلاحيات
تشريعية لإقرار هذا القانون، فلا يكون عرضةً للتجاذبات
والانقسامات الحادة التي يشهدها مجلس النواب. وأن تتولى هذه
الحكومة المحايدة الإشراف على إجراء الانتخابات. والمهمة
الثانية هي الإشراف على سير التحقيق بجريمة اغتيال المغفور
له رفيق الحريري وصحبه والوصول بهذا التحقيق إلى النتائج
التي يتوخاها الجميع لجهة كشف الجناة ومعرفة الذين دبروا هذه
العملية الإجرامية. ولهذه المسألة أهمية بالغة تعيد ثقة
المواطن بالدولة وتنقذ الرأي العام من حالة البلبلة التي
يعيشها.
4 – وبالنسبة لهذه
المسألة الأخيرة أود أن ألفت إلى أخبار تسربت في الآونة
الأخيرة يجب التأكد من دقتها، وهي أن مساعد وزيرة الخارجية
لشؤون الشرق الأوسط السيد دايفيد ساترفيلد قد أسرّ لبعض من
التقاهم من أطراف المعارضة بإيحاءات تكشف مؤشرات عن ملابسات
هذه الجريمة. ولا شك في أن الواجب الوطني والقانوني يفرض على
هؤلاء الإدلاء بهذه الإيحاءات للجهة التي تتولى التحقيق. كما
نلفت لجنة التحقيق الدولية إلى وجوب الاستماع إلى السيد
ساترفيلد والاستفادة من المعلومات التي يملكها من أجل جلاء
الحقيقة. وهذا يساعد على طمأنة الرأي العام وإنقاذ لبنان من
حالة البلبلة التي يعيشها وسط هذا السيل من الاتهامات
والاتهامات المضادة ومن الشائعات التي تعمق الانقسامات
الداخلية، والتي يختفي خلفها الجناة الحقيقيون والجهات التي
دبرت الجريمة.
بيروت في 2/3/2005
|