|
مفترق العمر ضمها إلى صدره ، فسرى النمل في جسدها ، وتراجعت مبتعدة . إنها تشبه كل الزوجات المتذمرات ، بغياب الأولاد عنها تشغل نفسها بالشكوى . - " حرارتي اليوم مرتفعة .. أبرد كثيراً .. اجلب لي معك علبة فيتامينات ". ومثل كل النساء أيضاً تتحفظ في تحديد عمرها ، كأنه سر من أسرار أمن الدولة ، لكنه يعرف عمرها كما لو كان القابلة التي سحبتها من بطن أمها . - " إنك يا صغيرتي .. تجاوزت الخمسين بسبعة شهور وأربعة أيام وكم ساعة ". حدد لها عمرها ، رغم سوء العاقبة - " ما أظرفك ! لك لسان كحد السكين ... وأنت تشخر " تجيبه وهي تشمر أنفها - " منذ متى ؟ " - " منذ .. منذ .. منذ أن دخل ابنك الإعدادية " مازال لحجرات منزلهما ترتيبها الهندسي المعتاد ، لكن خللاً غير مرئي ظهر في علاقتهما كزوجين عتيدين . المناكفة تطحنهما ، قاوماها بأقل الأضرار الممكنة : هو بحبوب زرقاء لها مفعول منشط ، وهي بقراءة كل الكتب الرومانسية المحفزة في مكتبتها حيث تعمل . حين قاطع التثاؤب مسار قبلاتهما ، انسحبت هي بخجل إلى أقصى اليمين في الفراش العريض المزدوج المساحة ، واحتل هو غاضباً القطب الآخر .. وفيما كان الزوجان يتشاركان الأحلام والكوابيس بحكم الوسادة المشتركة ، كانا يتألمان معاً . ** سحابة رمادية كانت تعبر سماء حياتهما ، حين ظهر لها ذات يوم خريفي ممطر: شاب نحيل برأس يقطينة ، ولحية نابتة ، يشبه غيره من الشباب ببلوز فضفاض وجينز ضيق ، كانت ملابسه المبللة تنقط فوق بلاط مكتبتها ، مبللاً كقط أجرب ، تسلل بين الرفوف باحثاً عن كتب طبية تلزمه ، قدمت له شاياً ساخناً ، فجلس يتدفأ بجوارها . لم يكن وسيماً ، على العكس غامت تفاصيل وجهه ، فنسته حالما التفت مبتعداً . عاود ظهوره بين الحين والحين ، ثم في أوقات متقاربة لأجل هذا الكتاب أو لآخر تتكفل بالبحث عنه . يشكرها بصوت أدغم يخرج من أنفه . كان يضغط على أعصابها بخفة مستمرة ، حتى صار يعني لها نبضاً عذباً في قلب هامد . ترتاح لمجيئه ، غالباً ما تكون وحدها ، مكتبتها ليست مشروعاً تجارياً رابحاً ، فما عاد الناس يدخلون إلا لشراء القرطاسية . يسليها وجوده ، وكي لا تستحلفه البقاء ، كانت تخلق حديثاً يسعيان معاً ليمتد بلا نهاية ، حتى جنح هو لاقتراض رواياتها العاطفية ، وبدأت هي تقلب معاجم التشريح الأجنبية . لم تكن لعلاقتها به مسمى يصفها .. كانت ندى مس رؤوس مشاعرها . لحية بلا ملامح رافقت أحلامها الليلية ، كشيء عالق في الذهن كلما تجاهلتها ازدادت حضوراً ، أصابتها بطفح جلدي فوق خديها . زيت الزيتون ، مزيج من ماء الورد والعسل ، ومستحضراتها التجميلية أيضاً لم تجدها نفعاً . قال لها زوجها وهو يستعرض مهاراته الطبية : - " سأجلب لك معي مرهماً سريع الفاعلية ، لكن أنبهك فيه نسبة كورتيزون عالية .. اطمئني لاشيء خطير .. هي أزمة منتصف العمر " . ذاك المتعجرف نسي أنه مجرد صيدلي بائع للأدوية ، وانقلب عالماً بعوارض سن اليأس . - " لماذا لم تمر بنفس الأزمة وأنت تكبرني بعشر سنوات ؟ " - " الرجال لا يكبرون يا عزيزتي ، إنهم يموتون دفعة واحدة .. ظاهرة طبية معروفة " كل ما حولها ساكن كمستنقع بليد . اجتاحتها رغبة عارمة بالتغيير ، دارت طواحين نشاطها : الستائر المخرمة كشبكة صيد ، تلك المزهرية القديمة إحدى هدايا حماتها الكالحة كأنها شوكة في الحلق ، وعثّ يرتع داخل الورود الذابلة في سجادتها الصينية . تظهر أمامه بخصلات حمراء زرعتها في بستان شعرها المصبوغ ، وزينة لها ألوان لوحة تشكيلية ، تحشر شحومها الزائدة داخل فستان نوم ضيق . - " جنت زوجتي يا عالم .. بعد تعب النهار تهجم عليّ كالساحرة .. لكنك مازلت جميلة " يتدارك سماجته ، ماداً إليها ذراعيه .
جسد يهرم وقلب عربيد .. حشوة الفراش القاسية تحطم ضلوعها .. الشراشف النظيفة
جداً كفن يلفها .. تسقط في قاع النوم وهي تسمع ألحان
هموده |