الدكتور يوسف مكي

 أهلا وسهلا بك ضيفا على موقع مبدعين عرب ، أود ذكر أن الدكتور يوسف مكي هو مفكر اكاديمي وسياسي وله كثير من المؤلفات التي تناولت القضية المركزية العربية. كما أنه من دعاة تأسيس المجتمع المدني ، والدعوة إلى الوحدة العربية 

سوسن البرغوتي

سوسن البرغوتي أشكر الدكتور يوسف مكي لقبول دعوتي والحديث معه 
الدكتور يوسف مكي أشكرك لك كريم لطفك ، بهذه المناسبة انتهز الفرصة لأعبر عن اعجابي بوجود هذه النخبة الرائعة التي تمثل عصارة ماهو متوفر من ابداع.وبنفس الوقت فإني اسجل لهذا الموقع تقديري وامتناني للفرصة التي يتيحها للنشأ الجديد لبعبر عن نفسه آملا ان يشكل ذلك اضافة جديدة في مجال الابداع العربي وأن يستفيد من تجارب من سبقه بالتجربة ليطور من طاقاته ويرقى بوطنه إلى الأفضل

س - هل لك أن تتحدث شيئا عن نفسك؟  
ج - ليس هناك الشيء الكثير
.  ولدت في قرية صغيرة، هي سيهات من ضواحي منطقة القطيف. والقرية محاصرة من بساتين النخل من ثلاث جهات. وفي الجهة الرابعة يحتضنها البحر. كان ذلك عام 1947. والمنطقة معروف عنها تاريخيا أنها كانت تعيش على صيد المحار، حيث يستخرج منه اللؤلؤ الطبيعي. وقد اشتهرت المنطقة بتمورها وأسماكها. ولذلك يمكن القول، إن القرية كانت تعيش رفاها نسبيا تحسد عليه. كهذا قدر لي أن أكون جزءا من التربة الخليجية. أرسلت إلى الكتاب لتعلم القراءة وكتابة الأبجدية. ولحسن حظي، فإن ذلك لم يستمر طويلا، حيث بعد سنتين من ذهابي إلى الكتاب فتحت أول مدرسة ابتدائية، كان ذلك عام 1956 أرسلت لها. وربما تلك كانت أول فرصة لي كي أبدأ رحلة طويلة.. حملت عبائتي يومها ورحلت ولم أحط أبدا عن الترحال.
كان ذلك العام عاصفا بالنسبة للعرب جميعا، ففيه حدث العدوان الثلاثي الغاشم: الفرنسي البريطاني الإسرائيلي على مصر. ولا زالت صورة الأستاذ عبد الغفار مدرسنا المصري القادم من مدينة بور سعيد، وهو يبكي بعد تلقيه خبر مصرع والده أثناء على القصف البريطاني على مدينته. تعلمت يومها، بالمشاعر والعواطف أننا ننتمي لعالم أكبر، وأن لنا أهل خارج سيهات، وخارج جزيرة العرب ومنطقة الخليج. وبعنف وقوة أخذ يتسرب الإنتماء الجديد إلى وجدي، وبقي ساكنا وثابتا حتى هذه اللحظة.
إننا من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، ننتمي إلى أمة واحدة، يجمعنا تاريخ ولغة وجغرافيا وعقيدة ونضال متواصل. هكذا أصبحت عربيا في انتمائي.

س -  أشرت إلى حادثة بور سعيد، كمحطة رئيسية في تشكيل تفكيرك. هل هناك محطات أخرى أثرت فيك بنفس القدر؟
ج - كانت تلك المرحلة زاخرة بالأحداث. كانت ثورة الجزائر مشتعلة آنذاك، وكانت بطولات جميلة بوحريد وزهرة أبو باشا تلهب المشاعر.. كانت أغنية وردة الجزائرية: كلنا جميلة تخترق الضلوع،وتجعل الشباب يتمثلون في لا وعيهم تلك البطولات ، هؤلاء الذين يصنعون التاريخ الجديد   للأمة هم حفدة أجدادنا الذين فتحوا الأندلس. يومها بدأت في كتابة أول أغنية في حياتي

يامناضل ياثائر  

 يا عربي ياجزائر

من روحي الأبية  

            أهدي لك تحية 

وأثناء تلك الفترة بدأت قراءاتي تتكثف. بدأت إطلالتي على الثقافة في الكتب التاريخية والدينية، ومن ثم إلى الشعر والرواية. كان من شكل تفكيري مصطفى لطفي المنفلوطي خالد محمد خالد ومحمد حسين كاشف الغطاء والعقاد وبنت الشاطئ وجرجي زيدان ونجيب محفوظ وسلامه موسى وإيليا أبو ماضي وبولس سلامه وطه حسين ومحمد جواد مغنية وشوقي وحافظ والصافي والنجفي والرصافي وأبو القاسم الشابي. قرأت في الأدب العالمي لأرنست همنجواي وفيكتور هيجو وديتسويفسكي وتولوستوي والبرتو مورافيا.. وكثير غيرهم. كان والدي قارئا ممتازا، وكان يحتفظ بمجموعة لا بأس بها من الكتب. وقد أتاح لي ذلك أن يكون تكويني الثقافي، من عهد مبكر أفقيا ومتناثرا، يشمل مختلف أنواع المعرفة والأدب، دون أن يكون ملزما بموقف أو رؤية محددة.

س - هل كتبت شيئا في تلك المرحلة؟

ج - للأسف لم أكتب سوى مجموعة من القصص القصيرة، ضاعت في زحمة الحوادث وبين الترحال، ولم أعثر لها على أثر.

س - متى بدأت رحلة الكتابة؟

 ج-استطيع القول أنني بدأت مبكرا، وإن لم أكن آنذاك في وارد نشر أي شيء مما كتبت، لكنني على كل حاولت، واعتقد أنني نجحت في ذلك إلى حد معقول. كانت أول محاولة روائية لي تحت عنوان حتى ينفك القيد، كتبتها في نهاية الستينيات. وكانت تتحدث عن التحولات الإجتماعية التي عاشتها منطقة الخليج بفعل الإنتقال من الغوص إلى عالم النفط. وكيف أدى ذلك إلى تحولات عميقة في مختلف البنى والهياكل القائمة. كتبت أيضا بعض القصائد في تلك الحقبة
 كتبت أيضا بعض القصائد في تلك الحقبة، بعضها غزلي والبعض الآخر له علاقة مباشرة بالوطن. ولكنني لم أتجرأ على نشر شيء منها.

س- ومتى أخذت تكثف من إنتاجك؟

ج - أثناء دراستي بالولايات المتحدة بدأت أكتب بعض المقالات التحليلية، المرتبطة بتخصصي في السياسة المقارنة، نشرت كثيرا منها في الدوريات المتخصصة. وأنجزت مسودتين، الأولى لرواية تحت عنوان السقوط، والأخرى، دراسة تحت عنوان حوارات حول الإسلام والقومية. وكانت في معظمها متابعة لطروحات الفكر القومي، وطروحات الفكر السلفي السياسي. نشرت فصلا منها في مجلة المستقبل العربي، تحت عنوان: حول أسباب تداعي مسيرة العمل القومي. وكانت انطلاقتي الرئيسية في الكتابة هي بعد عودتي من الدراسة في الخارج. حيث أخذت طابع التواصل والإستمرارية. ارتبطت بعد عودتي بجريدة اليوم التي تصدر بالدمام، ونشرت أثناء علاقتي بالجريدة أكثر من 70 مقالة في مواضيع مختلفة. وبعدها، ومع بداية صدور جريدة الوطن السعودية بدأت معهم منذ الأسبوع الأول، واستمر ذلك حتى يومنا هذا. أكتب مقالة كل أسبوع تأخذ مكانها في صفحة الرأي كل يوم أربعاء. وخلال هذه الحقبة، أنجزت مجموعة من الكتب بعضها الآن ينتظر الصدور بعد أن تمت الموافقة عليه من قبل مؤسسة دراسات الوحدة العربية: في الوحدة والتداعي، دراسات في الهوية والتواصل وأسباب انتكاسات مشاريع النهضة العربية، إضافة إلى كتاب آخر عن جدلية الجغرافيا في التاريخ، كما أنني أنجزت بحمد الله ترجمة أطروحتي للدكتورة تحت عنوان: منظمة التحرير الفسطينية: العوامل المحرضة للتغيير في الأهداف والإستراتيجيات. ولدي كتاب جاهز تحت عنوان من الإنتفاضة إلى الإنتفاضة. وآخر تحت عنوان الإسلام بين المادية والروحية، وكتاب تحت عنوان نحو رؤية جديدة للصراع العربب- الصهيوني. وأنا الآن في طريقي لتجهيز الجزئين: الأول والثاني من حديث الوطن… حديث الإنتفاضة، وهما مجمل المقالات التي نشرت خلال العام والنصف المنصرم. ومعظم تلك المقالات تناولت الإنتفاضة الفلسطينية. توسعت في هذه المرحلة في كتابة الشعر، بحيث يمكنني القول أن لدي الآن ديوانا ينتظر النشر. هذا باختصار ما لدي من مشاريع.

س- هناك محاولات شعرية لك ، إلى أي حد ارتبط الكتاب السياسي مع القصيدة الشعرية  
ج- بالنسبة لي لم اعتبر نفسي يوما شاعرا ، وما أقوله هو تفاعل وتوحد مع المعاناة وحالة عشق ووجد

أغنية لفلسطين

وسنان ينتشي طربا

يمسك قيثارته

يفترش الزهر

وحبات الزيتون

يغادر كل مساحات الأرض

ويعود لها

يستوحي معنى

يعزف لحنا

ويغني لهوى

يستحضر نبض فلسطين

س- هل تود اضافة كلمة، نختتم بها لقائنا

أود أن أؤكد حقيقة واحدة، هي أنه لم يراودني في لحظة شعور الإحتراف للكتابة. بالنسبة لي إما أن تكون التزام وتحريض أو لا تكون أبدا. ولهذا تغيب روح الصنعة في معظم كتاباتي. إنها تأتي لتلبي التحاما مع معاناة وانتماء وتوحد. ولذلك يمتزج فيها ما هو شخصي مع ما هو عام. فلسطين بالنسبة لي ليست قضية سياسية أكتب فيها، إنها قضية وجود وصراع على هذا الوجود. إنها خفق ونبض وعشق لزيتونة ولأرض وامرأة وشجرة وإنسان. إن علاقتي بها صوفية تصل حد أن نكون أو لا نكون. وربما كان ذلك سر ترددي في نشر قصائدي. إن هناك شعور يعشعش باستمرار في اللاوعي أن تلك القصائد خاصة بي، لم أكتبها لأحد. إن لها علاقة متفردة بعشقي الخاص. وربما يضعني هذا السياق في قائمة الذين لا يجيدون كتابة أي نوع من الأدب، إلا إذا أمكن توصيفه بالأدب الملتزم.