|
الأديبة زينب حبش
رحلة شوق
انطلقنا
بالسيارة من رام الله في تمام الساعة السادسة صباحاً. كانت
معي انشراح وابنها الصغير محمد. كان الطقس رائعاً للسفر،
وكان شوقي لرؤية ابن أختي لا يمكن وصفه، خاصة بعد الإضراب
الأخير عن الطعام الذي شارك فيه جميع المعتقلين الفلسطينيين.
في الطريق إلى نابلس، رحنا نعبّ النسمات
المنعشة.
قلت في نفسي، ما أجمل السفر في الصباح
الباكر! فكيف إذا كان من أجل رحلة شوق الى قلعة الصمود التي
تضم في أحشائها أحبّ الناس إليّ.
محمد، ابن أختي، لا يعني أحد الأقارب
بالنسبة لي أو بالنسبة لنا جميعاً، إنه حالة خاصة، حالة
فريدة من نوعها. فمنذ أن كان طفلاً في الثالثة تركته أمه
عندنا وسافرت إلى الكويت. ظل محمد عندنا بضعة أشهر. فكان
رفيق جدته طيلة غيابي في العمل.
وحين أعود إلى البيت، يطالعني وجهه
الأسمر بابتسامة عريضة، ويهلل فرحاً بعودتي. ومحمد يحب
المفاجآت التي لم أكن أبخل بها عليه. وما أن ننتهي من الغداء
حتى يبدأ سيل الأسئلة، فمحمد ذكيّ شديد الذكاء، وحساس مرهف
الإحساس.
هذا الطفل عبقري. كنت دائماً أقول في
نفسي.
طلب مني يوماً أن أرسم له بقرة.
لماذا تريد بقرةً يا محمد؟؟
قال ضاحكاً: لكي أحلبها.
ضحكت من الأعماق.
وحين جلس الى جانبي قال متألماً وهو ينظر
الى الشجر الذي يهتز مع الرياح الشديدة في فصل الشتاء:
خالتي، يا حرام … الشجر يرتجف من البرد.
يا إلهي! ما الذي يحمله هذا القلب الصغير
الكبير من المشاعر؟
الانتظار الأول
ما أن وصلنا سجن الجنيد حتى سلمنا أختي
بطاقتي الهوية لتتمّ إجراءات التسجيل.
كانت الشمس تلعب مع الغيوم، فتختفي ثم
تظهر. وكنت مشتاقة الى المشي، فمشيت في ساحة الانتظار. كان
الناس مزيجاً غريباً من المشاعر المتناقضة.. الحزن المطعم
بالفرح، الألم المصهور بالأمل… الرضى الممزوج بالغضب. فهذه
هي الزيارة الأولى التي ستمتد ثلاثة أرباع الساعة. أسبوعان
كاملان من الموت البطيء من أجل ربع ساعة ينعم المعتقلون بها
برؤية الأهل والأحبة. فما أعظم الثمن!!
سألتها: من لك في السجن؟
قالت وغمامة من الكبرياء تجمّل وجهها
الريفي: ابني.
-
كم سنة حُكمْ؟
-
إثنتا عشرة سنة. وتنهدت بحسرة:
ليتني أقضيها في السجن نيابة عنه.
-
سألتها: هل هو متزوج؟
-
قالت: لا، فهو لا يزال في بداية العشرين.
-
قلت مواسية: سيأتي الفرج بإذن الله وسيخرجون جميعاً.
-
إن شاء الله يا حبيبتي. الله يسمع منك.
خرج الفوج الأول.
-
كيف حال الشباب؟
-
بخير والحمد لله.
ولكن وجوه الزائرين العائدين من زيارة
ذويهم كانت شاحبة، وأصواتهم مغلفة بالصدأ.
سألت أختي إحدى السيدات:
هل يسمحون بإدخال الملابس؟
أجابتها السيدة: نعم يسمحون.
ثم أعادت السؤال على سيدة أخرى في نفس
الفوج، فردّت عليها بمرارة: إنهم لا يسمحون بشيء.
ذُهلت. فما هي المطالب التي تحققت
للمعتقلين إذا؟!
راحت أفواج الزائرين تدخل من ممر ضيق،
لتخرج فيما بعد مذهولة منكفئة المشاعر.
أين ضحكات الابتهاج التي اعتدنا عليها في
الزيارات السابقة؟ أين الأيدي الملوّحة غبطة وسروراً؟؟ أين
البريق المتألق في عيون الأمهات والآباء؟؟
تساءلت: ما الذي تغير؟؟
وازداد شوقي لمعرفة السبب. فرحت أنتظر.
الانتظار الثاني
جاء دورنا. راح اسم محمد الجبريني ينطلق
من مكبر الصوت كما كانت تنطلق ضحكاته وهو طفل صغير.
أسرعنا لنصطف في ممرّ ضيق خانق.
طال الانتظار.
هل سننتظر وقتاً يعادل مدة الزيارة؟؟
ولماذا؟؟
هل هو قصاص لنا؟؟
رحت أتأمل أختي. لقد نقص وزنها كثيراً
منذ بدأ إضراب الأسرى عن الطعام. أين إشراقة الفرح التي كانت
تغمر وجهها قبل زيارة محمد؟ ومن أين تجمعت في وجهها كل هذه
التجاعيد؟!
قطعت عليّ تأملاتي فتاة شابة جاءت لتنضم
الى الفوج الذي قبلنا. كيف ستعبر من بيننا ونحن مكدسون في
الممر؟!
رحنا نضغط أنفسنا لنفسح لها. مرت من
بيننا بصعوبة. علقت عليها إحدى السيدات:
لماذا تضع على وجهها كل هذه المساحيق؟
قالت إحدى الأمهات التي ستزور ولديها
معاً:
لا أدري ماذا سأقول لهما. فالتشيكات عادت
إليّ بالأمس فارغة بعد أن تعهد بعض الأشخاص بالدفع . ماذا
سيقول أولادي ؟! ليتهم اعادوها قبل يومين، ربما استطعت أن
أتدبر الأمر .
هدأتها أختي:
لا بأس . سنجد من يدفعها في الزيارة
القادمة .
قلت لانشراح وأنا أكاد أختنق:
ماذا كان سيحصل للطفلة مرام لو أتيت بها؟
إنني لا أحتمل الوقوف هنا من شدة الضغط.
قالت بحنان: كنت أود أن أدخلها عند خالها
محمد ليحضنها ويقبلها، فقد سمحوا بإدخال الأطفال.
-
ولكنها ستختنق في هذا الممرّ القاتل! الحمد لله أنك
أبقيتها في البيت.
-
رحت أسأل محمد الصغير: هل تستطيع أن تعطيني جملة فيها
" إن" أو إحدى أخواتها؟
-
قال: إن الانتظارَ صعبٌ.
ضحكت وقلت: ها أنت قد أتقنت الدرس.
وماذا عن " كان" أو إحدى اخواتها؟ هل
تعطيني جملة عليها؟
قال على الفور: صارت الزيارةُ طويلةً.
سُررت بإجابته: إن توظيفك للجمل رائع.
ضحكنا كلنا.
نسينا حالة الاختناق، فرحنا نلعب مع محمد
لعبة الأفعال والجمل لنقضي الوقت.
وأخيراً….فُرجت .
صاح أحد الشبان بلهجته النابلسية
الحلوة:
زغردن أيتها الأخوات، فقد جاء دورنا.
بدأ الزحف نحو الباب المؤدي الى القاعة
حيث يتم التفتيش بالأجهزة الإلكترونية.
جاء دوري. طلب مني الجندي أن أضع ساعتي
ونظارتي على الطاولة.
مررت.
فراح الجهاز يحدث صوتاً مزعجاً.
عدت أخلع خواتمي وكل ما أضعه من حلي.
مررت للمرة الثانية من جديد.
نظرت الى ملابسي . اكتشفت أن أزرار
البلوزة والجاكيت مصنوعة من المعدن.
قلت للجندي: إنها الأزرار.
قال: إخلعي.
صحت به مستنكرة: لن أفعل. ولا أريد
الزيارة.
قال: اخلعي الجاكيت فقط.
ترددت. سمعت أختي ترجوني أن أفعل لكي تتم
الزيارة. وحين مررت للمرة الثالثة، ازداد صفير الآلة. لم
أرجع، حملت الأشياء التي كنت قد وضعتها على الطاولة ودخلت
الغرفة المعدة للتفتيش الجسدي.
المجندة التي فتشتني كانت جلفة. طلبت مني
أن أخرج كل شيء من جيوبي وأضعه على الطاولة. ثم طلبت مني أن
أخلع حذائي.
نظرت إليها باشمئزاز: خلعت إحدى الفردتين
وبقيت واقفة على الرجل الأخرى.
وحين لبست الفردة الأولى خلعت الثانية،
ثم عدت ولبستها.
صفعتها نظراتي التي تقول:
هل هذه نتائج الإضراب؟!!
سلمت المفاتيح لأحد الجنود بعد أن خرجت
من غرفة التفتيش، فأعطاني قطعة خشبية عليها الرقم ثلاثة.
الانتظار الثالث
تجمعنا في الممر الثاني. لم يكن هناك سوى
مقعدين لا يتسعان إلا لبعض الزوار. كان علينا أن نظلّ
واقفين.
في الماضي كان كل شيء يتم بسرعة، أما في
هذه الزيارة، فالأمور تتحرك ببطء قاتل مثير للأعصاب.
الأسلاك التي تحيط بالممر من الجانبين
عالية، وبالقرب بناء جميل حوله أحواض من الزهور.
قلت: ما أجمل الزهور التي هناك!
ضحكت انشراح وقالت بسخرية: إنه مكان
للكلاب.
-
ذلك المكان للكلاب؟ أية كلاب؟؟
-
وقبل أن أستيقظ من دهشتي شدّتني زنبقة صفراء، كانت
تقبع في الزواية تحت كومة من الأسلاك الشائكة، وبين أسلاك
الممرّ وصهريج ضخم.
صعقت.
كانت المسكينة محروقة الأوراق. تقف وحدها
وقد امتقع لونها وغارت عيناها.
سألتها: لماذا أنت هنا؟
قالت بفخر: إنني أسيرة أمنية.
سألتها: لماذا لا يطعمونك ولا يسقونك؟
ولماذا تعيشين وحدك في هذه الزنزانة الموحشة؟!
قالت: إنني معزولة، وكما ترين، فالأسلاك
الشائكة تحيط بي من كل جانب.
انتبهت إلى الجهة التي خلفي. هناك مرج
أخضر من العشب، وشجرات من الورد الأحمر والأبيض تقف شامخة
متباهية بجمالها ونضارتها.
سألت صديقتي الزنبقة:
لماذا لا ينقلونك الى هناك؟!
ابتسمت بمرارة وقالت:
ينقلونني أنا؟ ألا تعرفين أن ذلك المكان
للجنائيين؟؟
يا إلهي!!
المجرمون والقتلة يعيشون هناك في بحبوحة
من العيش، وأنت تعيشين هنا؟!
-
ألم تضربي عن الطعام مع باقي الأسرى؟؟
-
فعلت. ونقص وزني وجفت أوراقي واحترقت أصابعي.
-
ألم تكن هناك نتيجة؟!
-
وعدوني كما وعدوا غيري. وإنني أنتظر.
-
هل توافقين لو نقلوك الى ذلك المكان؟ وأشرت بيدي الى
شجرات الورد.
غضبت الزنبقة وارتجفت قائلة:
-
لو خيرت بين الموت وبين العيش مع تلك الشجرات لآثرت
الموت.
-
إنني آسفة. لم أقصد الإساءة إليك.
-
لا بأس. قالت بصوت واهن.
سألتها: ما التهمة التي وُجّهت إليك؟؟
وماذا يمكن أن يوجهوا إليك وأنت الزنبقة الوادعة حبيبة
الجميع؟؟
هل اتهموك بالإخلال بالأمن؟
هزت رأسها بأسى، ثم قالت بصوت عميق
وكأنها تحلم:
إنني حبيسة هنا منذ عشرات السنين. منذ
بدأ الزمن يجري إلى الخلف. ومنذ بدأت لعبة الدوران تجتاح
العالم.
-
لا أفهم ما تقولين.
-
تنهدت وقالت كمن تحدث نفسها:
-
كان لون أوراقي يانعاً، وكنت الأجمل بين الزهور .
ولكنهم صبغوا لوني، وشوّهوا شكلي، وغيروا اسمي وحرموني نعمة
الحرية.
-
هل قمت بعملية فدائية جريئة؟ هل قلبت باصاً بركابه؟
هل قذفت عليهم صاروخاً؟ أم أنك ألقيت الحجارة على دوريات
الجيش؟؟
-
ابتسمت وقالت: لم أفعل شيئاً مما ذكرته.
-
ما الذي فعلته إذاً؟؟
-
رفضت الاعتراف بهم.
-
أنت؟؟ لقد اعترف بهم كل الحكام العرب. وغداً سيعقدون
معهم الاتفاقيات المنفردة وغير المنفردة. وأنت التي لا أشواك
لك ولا مخالب تصرين على موقفك؟
-نعم. وسأظل عند موقفي إلى أن يقضي الله
أمراً كان مفعولاً.
-
ولكن يا صديقتي الزنبقة، أصبح هناك عالم جديد ونظام
جديد يقرر ما يريده حكام أمريكا.
-
هراء.. هراء.. كل الذين يريدون أن يُسقطوا عُقَدَهم
على الآخرين سقطوا. ألم تسمعي بسقوط تاتشر وجورباتشوف وبوش
وكل أتباعهم ؟ الأولى أرادت أن تُسقط بغداد فسقطت هي.
والثاني أراد أن يُغير النظام في العالم بالبريسترويكا التي
اخترعها فسقط هو.
والثالث أراد من كل حرب الخليج التي
افتعلها أن يُسقِطَ صدام حسين فسقط هو.
لا تصدقي كل ما يُقال ولا كلّ ما يُكتب.
نظرت إليها بذهول.
زنبقة ضعيفة تكاد تختنق بين الأسلاك
الشائكة وتعرف كل شيء عن هذا العالم الواسع؟!
إنها حقاً لمعجزة!
أردت أن أظل اسمعها وهي تتكلم فسألت:
وما الذي أصدقه إذاً؟!
قالت بحزم: كلام الله، فهو الذي يعزّ
ويذلّ وهو الذي يغير ولا يتغير.. وهو الذي…
وهنا سمعت انشراح تناديني:
هيا يا خالتي. جاء دورنا للزيارة.
تسمّرت في مكاني.
انتبهت الزنبقة فتوقفت عن الكلام. ثم
ابتسمت بمودة: سلمي عل الشباب. سلمي على محمد.
ولوحت بيدها الأخرى، وأنا لا أكاد أصدق
سمعي ولا أصدق ما رأته عيناي.
الزيارة
كانت نظرات الزنبقة وصوتها العذب تشدّني
إلى الخلف. وشوقي لرؤية ابن أختي يجذبني إلى الإمام.
لا أدري كم من الوقت مضى حين وقفت وجهاً
لوجه أمام محمد.
فاجأته زيارتي. أما أنا فقد فاجأني نحول
جسمه. سلمت عليه بذهول. تصنعت المرح. شيء ما احترق في داخلي.
وحين راح يتحدث إلى أمه وأخته راحت نظراتي تتجول في وجهه
ورأسه.
أخذت أعد الشعرات البيضاء التي غزت شعره
الحالك، والتجاعيد التي برزت بوضوح حول فمه وعلى جبينه.
تساءلت: كم سنة غبت عن زيارته؟ سنة؟
سنتين؟ أم أن كل هذا كان نتيجة الإضراب عن الطعام؟!!
حين جاء دوري للكلام سألته:
ما أهم الإنجازات التي تحققت نتيجة
الإضراب الأخير؟؟
راح يسرد عليّ بحماس طفولي كل الإيجابيات
التي حصلوا عليها أو وُعدوا بإنجازها.
ثم
حدثني عن أحد المسؤولين الذين اجتمعوا بهم، وعن إعجابه
الشديد بدقة تخطيطهم وذكائهم لدرجة أنه قال لهم بالحرف
الواحد: خسارة أن لا تكونوا يهوداً.
ابتسمت وقلت: إنه يذكرني بزكاي، المحقق
العراقي الأصل الذي تمنى لو أن واحداً على الأقل من أبنائه
الثلاثة يصبح في مثل ذكائي.
-
المهم. ما هي طموحاتك.؟
-
تنهّد وقال:
آه طموحاتي كثيرة… الواحد منا يحطم
بخياله جدران المعتقل ويرفرف محلقا فيجوب الكون كله، ويعمل
المعجزات. وحين يستيقظ من أحلامه يدرك أن الممكن قد يصير
حلماً كما يصير الحلم ممكناً. وحلمي الآن أحدده بمتابعة
دراستي الجامعية.
صحيح أن وقتي ضيق، إلا أن الدراسة تستحق
أن أعطيها جزءاً من وقتي الثمين. ونأمل أن يوافق مجلس
التعليم العالي بعد أن وافقت إدارة المعتقل.
سألته: كم نقص وزنك؟
قال ضاحكاً: عشرة كيلو غرامات. استرجعت
منها أربعة وبقي ستة.
قلت بإصرار: يجب أن تأكل كل وجباتك
لتستردّها بسرعة، ثم تزيد عليها أربعة أخرى. لا أريد أن أراك
هكذا في الزيارة القادمة.
ضحك وقال: حاضر.
ثم قال بفرح: إن هذه الزيارة هي أسعد
زيارة عندي. أولاً لأنني رأيتك فيها، وثانياً لأنها أول
زيارة تصل مدتها ثلاثة ارباع الساعة.
ابتسمت وقلت: آمل أن تتحقق كل مطالبنا،
وأنت تعرف ما هي.
فضحك من الأعماق.
راحت أسئلة محمد تتدفق سيلا من المشاعر
الرائعة نحو جدته.
طمأنته عليها، وقلت:
تأكد أنه لولا ضرورة بقائي عندها لما
سمحت لنفسي أن أتأخر عن زيارتك طيلة هذه المدة. فأنت تعرف
أنني أودّ لو أزورك كل يوم.
تنهد قائلاً: آهٍ كم أشتاق إليها.
لم يترك محمد أحداً من الأهل والأقارب
إلا وسأل عنه. رحنا نمزج الأحاديث الجادة بالمرح والضحك.
وفجأة..
قُرع الجرس.. ارتبكنا.
أبهذه السرعة تنتهي الزيارة؟!
وقف محمد. وراح يلوِّح لنا بيده، الى أن
غاب عن أنظارنا.
كالحلم بدأت الزيارة.. وكالحلم انتهت.
يا إلهي!!
نسيت
أن أبلغه هو والشباب سلام الزنبقة.
نظرت حولي بحيرة. سألت:
متى ستكون الزيارة القادمة؟؟
دموع الأمل
لم أستطع الانتظار حتى الزيارة التالية
لمحمد. عز عليّ أن لا تكمل الزنبقة حديثها الذي بدأته. قلت
في نفسي: سأذهب إليها خلسة.
ما أن رأتني حتى مدت لي ذراعيها بين
الأشواك. قبلت أصابعها. نزلت من عيني دمعة. تأثرت كثيراً.
كانت
فرحتها بلقائي لا توصف. همست بأنني سأظل دائماً أزورها،
وبأنني سأقضي عندها هذه الليلة.
قالت: وأمك ؟ إنها بحاجة إليك.
قلت: لا بأس. سأعود إليها قبل الفجر: فقد
اعتادت أن توقظني لصلاة الصبح.
-أهٍ ما أعظم فرحتي بك. منذ اللقاء
السابق وصورتك لا تزال مغروسة في ذاكرتي.
-أما أنا ، فقد أحسست أنك جزءٌ مني وأنني
جزءٌ منك…
فهل أنت الأرض التي من ترابها خلقت؟؟
ابتسمت الزنبقة وهي تتأملني ، فقلت
بحماس:
أريد أن أعرف لماذا.. لماذا أنت هنا؟؟
وإلى متى ستظلين؟!
-
إنها يا عزيزتي قصة طويلة، نسجتها أصابع غريبة بخيطان
الكذب والخرافة. ومن يومها لم أذق طعم الراحة والطمأنينة.
ومن يومها أيضاً تشتت أبنائي وتبعثروا على سطح الكرة
الأرضية.
-
أليس لك أقارب وأصدقاء؟!
ضحكت بسخرية وقالت:
-
ما أكثرهم وما أقلهم!!
-
ماذا تقصدين؟؟
-
أعني أنهم كثيرو العدد، قليلو المنفعة. بل إن
الكثيرين منهم يقفون مع الغرباء ضدّي وضدّ أبنائي.
-
قلت إنهم غيّروا اسمك، فماذا كان؟؟
-
محظور عليّ التفوّه به.
نظرت إلى كفها وسألت بألم:
-
منذ متى احترقت يدك؟؟
-
منذ الاحتلال الأول. قاومت عندئذ بكل ما أوتيت من
قوة. ولكن أهلي خذولني. حاولت اللجوء إليهم لأنجو بأولادي..
وليتني لم أفعل. فقد ذقت المرّ على أيديهم.
-
وهذه الأسلاك التي تحيط بك من كل جانب؟؟
-
وضعوها حولي عند الاحتلال الثاني.
-
إنني أتساءل: لماذا يحيطونك بكل هذه الأسلاك
الشائكة؟!
-
هل يخافونك؟!
-
ابتسمت الزنبقة وقالت:
أجل يخافون أن أطير كفراشة في أي لحظة،
ولولا خوفهم لما منعوا زيارتي. فأنا الوحيدة التي تحظر
زيارتها حتى لا يعرف بقصتها أحد.
-
ولكن لماذا؟؟ لماذا أنت بالذات؟؟
-
لأنني الحلم الذي صنعوه منذ عشرات السنين، ويخشون أن
يتحول فجأة الى كابوسٍ مرعب.
نظرت حولي ثم سألت:
-
ألم يتحدث إليك أحد غيري؟!
-
لا أنت الوحيدة التي رأتني. الجميع يمرون بي دون أن
يروني.
-
لقد رأيتك بقلبي.
-
إنني أخاف عليك. فكل من يحاول رؤيتي يعتقلونه
ويعذبونه قبل أن أمسّد شعره بكفي، وقبل أن تكتحل عيناي بنور
عينيه. لكم تخضبت ملابسي بالحناء المتناثرة من أجساد أحبائي
الذين يلقونهم في حضني صباح مساء.
ثم سرحت بعينيها واستطردت قائلة:
كانوا يأتون من بعيد. يقطعون السهول
والوديان من أجل أن يؤنسوا وحشتي… ولكنهم… واحسرتاه… كانوا
يسقطون قبل أن…
وأجهشت الزنبقة بالبكاء.
-
لا .. لا.. لا تبكِ.
حاولت أن أمسح دموعها بكفي. لم أستطع.
وخزتني الأسلاك الشائكة.
أحسست بقلبي ينزف.. فتدفق سيل من الدماء
الحارة من بين أصابعي. اختلطت الدماء بالدموع المنسكبة من
عيني وأنا أحاول أن أهدئ من روعها.
سألتها من بين دموعي:
لماذا تبكين؟؟
أشرقت ابتسامتها في الوجه المتعب. ثم
قالت بصوت فيه رنة تبعث على الدهشة:
إنني أبكي .. وكثيراً ما بكيت. ولكنها
ليست دموع حزن ويأس وألم. إنها دموع الأمل والبهجة بما هو
قادم. إنها دموع أيوب الذي رضي بقضاء ربه.
-
ولكن الدموع تؤذي عينيك!!
-
الدموع لا تؤذي. احتباس الدموع هو الذي يؤذي. فهل
يؤذي الأرض المطر؟!!
-
هذا القطرات المتساقطة من عينيّ تجرف الغبار العالق
بهما، فأرى أوضح. وتغسل الحزن عن قلبي، فأفرح أكثر. وتجلو
الصدأ عن دماغي فأفكر أعمق.
-
أنت لست زنبقة. إنك فيلسوفة.
-
وهل كان أيوب فيلسوفاً؟؟ إنني أتعلم منه الصبر والقوة
والأمل.
-
ولكن أيوب نبيّ!!
-
وهو أيضاً إنسان. هجره أهله وأقرب الناس إليه. ولم
تبق إلى جانبه إلا زوجته رحمة.
-
وأنت من يقف الى جانبك؟؟
-
أولادي الذين يتحملون الأذى من أجلي كما تحملت رحمة.
-
إنك تبعثين الأمل في نفسي.
-
أحقاً؟! هذا هو مطلبي.
-
ماذا تريدينني أن أفعل من أجلك؟!
-
لا شيء يكفي أن تظلي كما أنت. واحة يستظل بظلها
الأطفال.. وينبوعاً من الأمل المقدس.. وراية تخفق في كل
مكان.
-
هل أنت راضية عني إذاً؟؟
ابتسمت الزنبقة. ولم تتفوه بشي.
نظرت إلى ساعتي. استأذنت الزنبقة بلطف:
هل أودعك الآن؟؟
هزت رأسها الصغير قائلة: إلى اللقاء.
-
إلى اللقاء القريب.
-
لوحت لي بيدها المحروقة. أحسست بأن لونها بدأ يزهو من
جديد.
-
وفي الطريق، رحت أفكر وأفكر بكل ما قالته لي الزنبقة.
الفجر الآتي
عزّ عليّ أن أنام في الدفء وصديقتي
الزنبقة تنام وحدها في العراء، بين الأسلاك. حملت معي شالاً
من الصوف قبل أن أذهب في زيارتي التالية إليها.
-
يا صديقتي الزنبقة، كيف حالك؟!
-
إنني بخير، والحمد لله.
-
خفت عليك من برودة الشتاء فأحضرت لك معي شالاً من
الصوف. هل أضعه على كتفيك؟!
-
الدفء يغمر قلبي. ولكني سأقبله منك هدية أعتز بها.
-
نسجته لك بأصابعي المجروحة.
-
سأحتفظ به رغماً عنهم.
همست بعد أن تجولت بعينيّ يميناً
ويساراً.
-
هل عرفوا بزيارتي لك؟!
-
كيف سيعرفون؟ وهم في مثل هذا الوقت يغطون إما في
النوم أو في السكر!!
-
سرحت بعينيها الى البعيد البعيد، ثم استطردت قائلة:
العالم كله يغط في النوم والسكر. وحدنا
نصحو في هذا الليل الموحش ننسج من خيوطه أشعة الفجر الآتي.
-
ما أجمل كلامك!! إنه يضيء قلبي بملايين الشموع.
لعنة العصر
-
أراك حزينة هذا المساء.
-
أجل. وما أشدّ حزني!
-
على ما تعانينه؟!
-
لا. بل على ما يعانيه المسلمون في البوسنة والهرسك.
-
ما أعظمك أيتها الزنبقة، إنك تشعرين مع كل المظلومين.
-
لأني ذقت الظلم، أرفضه لغيري.
-
أتدرين على من أتألم أنا؟؟ على الناس الجياع في
الصومال.
-
إن قصة قابيل وهابيل تتجلى هناك بأوضح صورة. شعب واحد
ينقسم على نفسه ويكاد كل طرف أن يبيد الطرف الآخر.
-
تنهدت بعمق، ثم قالت وكأنها تحدث نفسها:
-
إنها حقا لمهزلة.
-
نظرت إليها أستمطر الأفكار التي تدور في ذهنها،
فاستطردت قائلة:
تأملي الأحداث التي تجتاح العالم. الصراع
على السلطة.. التكالب على المال.. والغرق في الشهوات
والملذات. وكل هذا وذاك يفعلونه تحت راية الحرية، والدفاع عن
حقوق الانسان. فأين الحرية التي يتشدقون بها؟ وأين حقوق
الانسان هذه التي يتحاربون من أجلها؟! إن العالم كله.. كله..
غارق إلى أذنيه إما في العبودية أو الاستعباد. وهذه هي لعنة
العصر.
-
هل يعني هذا أننا عدنا الى عصر الجاهلية؟!
-
صحيح . القوي يأكل الضعيف والغني يسرق الفقير.
-
وهل قدرنا أن نكون ضعفاء وفقراء؟!
تأملتني ثم قالت بثبات:
-
قدرنا هو الذي نصنعه بأيدينا.
-
كيف؟ ونحن لا نملك من أمرنا شيئاً؟!
-
من قال إننا لا نملك من أمرنا شيئاً؟؟ نحن الوحيدين
الذين نملك أمر أنفسنا. ألسنا نطالب بحقنا؟!
-
ولكن حقنا ضاع كخاتم في الزحام.
-
هذا صحيح. ولكننا لا نزال نبحث عنه.
-
ألا تكفي كل السنوات الماضية؟!
-
حين نتوقف عن البحث تتم عندئذ عملية الضياع.
-
نحن لم نكف لحظة عن البحث ولكن دون جدوى.
-
أتعرفين لماذا؟؟ لأننا نبحث في المكان الخطأ
وبالطريقة الخطأ.
-
لماذا لا تقولين لأننا لا نملك القوة؟!
-
وما هي القوة؟؟ ألا ترين أن القوة في هذا العصر لم
تعد تجدي؟
بل إنها أحياناً تتحول الى طائر رخ يحمل
صاحبه الى أعلى ثم يلقي به بقسوة. وكلما كان العلوّ أكبر كان
أثر السقوط أشد فتكاً.
ضحكت وقلت:
حمداً لله أننا نقف على الأرض حيث لا خوف
علينا من السقوط.
شاركتني الزنبقة الضحك.
قلت: ولكن هناك أمر يحيرني. لماذا يحكم
علينا بالشتات فنوزّع كما توزع الشياه من أجل الذبح؟! ولماذا
يتلذذ العالم كله بلحمنا وعظمنا ودمنا؟؟ فهل نحن من طينة
أخرى؟!
-
ألا تعرفين هذا ؟؟ إنها الطينة التي خُلق منها آدم،
والتي أُخرج بعدها من الجنة ليصلح الأرض ويعمرها.
-
وهل نحن كآدم؟
- أجل.
-
وما وجه الشبه؟؟
-
حين خلق الله آدم كان يعرف أنه سيخرجه من الجنة.
-
آدم أُخرج من الجنة إلى الأرض. أما نحن فقد أُخرجنا
من الأرض الى جحيم الشتات.
-
بل قولي إنك أنت أيضاً أُخرجت من الجنة.
-
يا إلهي!! لماذا لم أدرك ذلك؟! ولكن… يظل مصيرنا أسوأ
من مصير آدم.
-
المصير هو المصير، والخروج هو الخروج..
-
ولكن مأساتنا أعظم.
-
وهل هناك مأساة أعظم من أن يقتل الابن أخاه؟!
-
ولكن هذا أيضاً يحصل بيننا.
-
هذا يعني أن التشابه مؤكد.
-
وما الحل للمعاناة التي نعيشها؟؟
-
الصبر، والعمل،والايمان.
-
الصبر على الظلم؟
-
لا. بل الصبر على مواجهة الظلم.
المطر
تأملت صديقتي الزنبقة. كانت متجهمة
كغيمة. غاضبة كعاصفة متشنجة كبحر. أردت أن أستثيرها:
-
ألا ترين أننا نعيش في عالم مجنونٍ مجنون؟!
-
زفرت بألم وقالت:
صحيح. وإلا لماذا تجمعت كل دول العالم
لتقترف، بحجة العدالة، أبشع جريمة إنسانية من أجل النفط؟
أين العدالة التي يدعونها وأطفال العراق
يحرمون من الحليب والدواء؟
أين العدالة والناس يذوبون في الصومال
ويتحولون الى عصي؟؟
أين العدالة وأطفال البوسنة والهرسك
يغرقون بالثلج والوحل في هذا الشتاء العاصف؟؟ أين العدالة
ومئات الفلسطينيين يُطردون من وطنهم ويُقذف بهم في العراء
بلا غذاء ولا مأوى؟؟!
-
ولكنك تطلبين الصبر.
-
أطلب الصبر الذي يقود الى الفرج.
قلت بلهفة:
-
متى؟؟ متى ستحطمين هذه الأغلال التي تقيدك؟؟
إنك تستحقين أن تقودي هذا العالم كله.
-
الله هو الذي يقود العالم.
-
وهل يعني هذا أن الله راضٍ عما يجري في هذا الكون؟!
-
وهل كان سبحانه راضياً عن فرعون وظلمه؟! تأكدي أنه
على الباغي تدور الدوائر.
-
آهٍ … متى؟؟
-
في الوقت المناسب.
-
وهؤلاء الذين أُلقي بهم في الصحراء ليموتوا جوعاً
وقهراً وبرداً.. وقتلاً بالرصاص؟!
-
الموت والحياة بيد الله وحده.
-
ولكن ما ذنبهم؟!
-
إنها إعادة صياغة الزمن والحدث بأسلوب جديد، وبحجة
جديدة.
-
تعنين أنها حكايتك منذ بدايتها؟!
- تماماً.
-
ما رأيك بالقرار؟؟
-
لم يفاجئني. فهم يخطّطون له منذ سنين.
إذا فالقصة مختلفة من أساسها؟؟
- ربما.
-
هل تحزنين من أجلهم؟؟
-
وأحزن أيضاً من أجل أطفالهم وأمهاتهم.
-
ولكن، ما رأيك بالادانات العربية والقرارات الدولية؟؟
-
حبر على ورق.
-
والمؤتمرات التي تعقد والخطب الرنانة التي تنطلق.
-
كلام تذروه الرياح.
-
نظرت إلى الزنبقة المتجهمة. أردت أن أزيح غمامة الحزن
التي تكسو وجهها:
-
هل تدرين ماذا كنت دائماً أقول؟؟
نظرت إليّ مستفسرة دون أن تنطق بشيء.
قلت وطيف ابتسامة على شفتي:
إن المناسف هي القاسم المشترك الوحيد
الذي يوحّد زعماءنا.
فهل توافقينني على ذلك؟؟
لم تقل شيئاًَ. راحت ابتسامتها تتسع
شيئاً فشيئاً. ثم تحولت الى ضحكة عالية اهتزت معها أوراقها.
لأول مرة أسمع ضحكتها. فأين كانت؟؟
شعرت بأن السماء تشاركها الضحك. فأبرقت
وأرعدت.. وراحت تسكب المطر الغزير.
أحسست بالمطر يتسرب الى قلبي. غمرني
الفرح. نظرت الى الزنبقة، فإذا بها ترفع كفيها وتستقبل
القطرات كطفلة، ثم تمسح بها جسدها. أوراقها الذابلة ترعرعت..
ولا أثر للحروق على كفها.
شعرت بالسعادة تغمرني. لم أستطع أن أعبر
عما اجتاحني من مشاعر. قوة غريبة راحت تسري بين أصابعي.
رحت أزيح الأسلاك الشائكة التي تحيط
بالزنبقة وتقيدها. أزحتها كلها. أمسكت بيد الزنبقة وساعدتها
على الوقوف.
-
يا إلهي!! كم أنت جميلة!!
نظرت إليها بذهول: شجرة طويلة شامخة!!
راحت تركض أمامي كغزالة برية. فإذا
بالعشب يتفتق تحت قدميها العاريتين، والأزهار تنسج بساطاً
ضاحك الألوان. أسرعت خلفها. استدارت تفتح لي ذراعيها..
فإذا بملايين العصافير تنطلق اليها من كل
صوب.
|